عبد الله الأنصاري الهروي

295

منازل السائرين ( شرح القاساني )

عمّا نهي عنه ؛ وذلك بأن يعرف عظمة اللّه تعالى « 1 » فيعبده على التعظيم . لأنّ العبد الحقير لا يجوز أن يخالف المولى العظيم ؛ بل يجب عليه القيام بطاعته ، وفاء بحقّ عظمته وأداء لحقوق عبوديّته ، خالصا مخلصا لوجهه ؛ لا خوفا من عقوبته ، فيكون عبد سوء يطالب سيّده بالعفو ويخاصمه لنفسه في طاعته ، بأن لا يعاقبها بتركه ، فلا يعبده طوعا - بل كرها - إذ لولا خوفه من العقوبة لم يعبده . فهو يعبد نفسه بطلب خلاصها من العقوبة ، فيكون تعظيمه خصومة مع اللّه لنفسه « أ » ؛ والخصومة : الجدال ، لقوله تعالى « 2 » : وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ [ 43 / 18 ] . وقد جاء الجدال مع اللّه عن الغير في القرآن ، كقوله « 3 » : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ 4 / 109 ] . « ولا طلبا للمثوبة » فيكون أجيرا يعمل في طاعته للأجرة ، والأجير مسترقّ من جهة المستأجر بالأجرة ، فيكون عبد الأجرة - لا عبد سيّده - لأنّه إذا أخذ الأجرة ذهب بها وترك باب المستأجر . بخلاف العبد : فإنّه ملازم لباب السيّد ، لا يتوقّع بعمله اجرة ولا يرى لنفسه استحقاقا لها ؛ والأجرة إنّما هي مطلوبة لمصلحة النفس ونفعها وراحتها فعبادته إنّما هي للنفس بالحقيقة .

--> ( 1 ) ه : - تعالى . ( 2 ) ب ، ج ، د ، ع ، م : - تعالى . ( 3 ) ه : لقوله . ( أ ) فسّر التلمساني هذه المخاصمة بمخاصمة الإنسان مع نفسه ، وقال : « فإنّ الخائف من العقوبة لا يزال يخاصم نفسه ويعاتبها . . . فإذا غلبته أقبل عليها باللوم وسبّها وأبغضها ، فلا يزال الخصام بينهما ما دام تعظيمه للأمر والنهي إنّما هو خوف العقوبة . . . » .